القشة التي قصمت ظهر العيلة

مرّ الأسبوع الأخير قبل تسليم البيت زي الثواني.
أنا مكنتش قاسي ولا متجرد من الإنسانية زي ما تيسير كانت بتحاول تصورني للناس؛ قبل ما أوقع عقد البيع النهائي مع الأستاذ توفيق، أخدت جزء من فلوس العقار وأجّرت لأبويا وأمي شقة مفروشة نديدة ونظيفة في حي هادي لمدة سنة مدفوعة الأجر بالكامل، وحطيت في حساب أبويا البنكي مبلغ يعيشهم مستورين ومكرمين من غير ما يحتاجوا لجنيه من حد.. بس بشرط واحد واضح ومكتوب في الورق: “تيسير ملهاش إقامة دائمة في الشقة دي، وتعتمد على نفسها!”.
يوم الإخلاء، كنت واقف مع عمال النقل. أبويا كان بيلم كتبه القديمة في صناديق كرتون وهو ساكت تماماً، مفيش في عينيه غير انكسار راجل أدرك متأخر أوي إنه جرف طين بيده وهدم بيته. وأمي كانت بتطبطب عليه وهي بتبكي في صمت، من غير ما تجرؤ تبص في عيني أو تطلب مني أراجع نفسي.
أما تيسير.. فكانت واقفة في الصالة الفاضية بشنطة هدومها، بتعيط بقهره وهستيريا، وهي شايفه اثنين عمال شايلين “الكرسي الكحلي” الضخم ومطالعين بيه على برة.
صرخت بصوت متقطع:
”استنوا! موديين الكرسي فين؟! ده بتاعي!”
العمّال ماردوش عليها، ورموا الكرسي في عربية خشب تابعة لحي البلدية مع بواقي الكراكيب والأخشاب المكسورة. الكرسي اللي ضحت بعيلتها وبكرامة أخوها ومراته عشان تقعد عليه.. انتهى بيه المطاف في مقلب الزبالة العمومي!
تيسير بصتلي بدموع ونبرة توسّل لأول مرة في حياتها:
”إياد.. أنت بجد هترميني في الشارع؟ أنا أختك الوحيدة! هروح فين؟!”
رديت عليها بثبات ونبرة أبرد من الجليد:
”أنتِ عندك ٣٢ سنة يا تيسير.. مش طفلة. بقى لك ١١ سنة عايشة عالة على أبوكي وعليا، فاكرة إن العالم اتخلق عشان يخدمك. الشقة المفروشة بتاعة بابا وماما مش هتدخليها غير زائرة، ودلوقتي قدامك خيارين: يا تنزلي تدوري على شغل وتأجري لنفسك أوضة وتعرفي يعني إيه قرش حلال ومرارة تعب، يا تفضلي تندبي حظك وشايفة إن العالم كله جاني عليكِ.. أنا عملت ده عشان أربيكِ بعد ما أهلي فشلوا في تربيتك.”
طردتها من حياتي، وسيبتها واقفة على الرصيف مع شنطتها، بتواجه لأول مرة في حياتها الواقع الشديد من غير حماية ولا تدليل زائف.
بعد أسبوعين من تسليم البيت، ربنا رزقني بأجمل هدية في دنيتي.. سارة ولدت وجابت لنا ولد زي القمر، سميناه “يونس”.
البيت عندنا كان مليان فرحة ونور، وسارة كانت قاعدة على الكنبة في الصالة شايلة يونس في حضنها وابتسامتها رادة فيها الروح. في وسط الفرحة دي، جرس الباب رن.
فتحت، لقيته أبويا وأمي.. واقفين على الباب بكسرة ونفس زكية، شايلين في إيديهم لعبة صغيرة للمولود وكيس فاكهة. أبويا وقف على العتبة ومارضيش يدخل، وبصلي بدموع محبوسة وقال:
”نبارك للمولود من على الباب يا بني ونمشي.. إحنا عارفين إن ملناش عين ندخل بيتك بعد اللي حصل.”
قبل ما أرد، سمعت صوت خطوات سارة البطيئة جاية من جوة. سارة قربت من الباب، وعلى وشها ابتسامة سامية صافية، وقالت بنبرة فيها كل أصل وطيبة:
”يدخل مين من على الباب يا حاج؟ اتفضلوا يدكم.. ده بيتكم، ويونس مش هيتربى بعيد عن جده وجدته.”
أمي انهارت في البكاء، وأبويا حط إيده على راس سارة وباسها وهو بيقول:
”سامحينا يا بنتي.. والله إحنا اتعمينا، وعرفنا قيمة الأصل الطيب.”
سارة أخدت أمي من إيدها وقعدتها جنبها على الكنبة، وقدمت لها الولد تشيله. أمي مسكت يونس وهي بتبكي وتقول: “يا رب يطلع عاقل وصاحب حق زي أبوه، وطيب وأصيل زي أمه.”
جلسنا كلنا سوا، وحسيت لأول مرة من سنين إن الدفء العائلي الحقيقي دخل بيتنا.. دفء قائم على الاحترام والمودة، مش على التزيف والأنانية.
مرت الأيام، وعرفت من أمي إن تيسير اضطرت بعد أول أسبوع بهدلة وإهانة إنها تبيع شبكتها القديمة وتأجر أوضة صغيرة مع بنتين شغالين، واشتغلت أخيرًا بائعة في محل ملابس بمرتب بسيط جداً. لأول مرة في حياتها، بقت تصحى الساعة ٧ الصبح، وتقف على رجلها ٩ ساعات، وتعرف القيمة الحقيقية للقرش واللقمة. أمي كانت بتقول بأسى بس برضا: “القلم كان شديد يا إياد.. بس أختك بدأت تنشف وتعرف إن الحياة مش كرسي فوتيه وقعدة دليفري.”
أنا مقطعتش المصاريف عن أبويا وأمي، وكنت بذورهم كل أسبوع مع سارة ويونس، بس حطيت حدود صارمة ومبدأ لا يمكن اختراقه: “من يهن زوجتي أو يمس كرامة بيتي، فليس له مكان في حياتي.”
والكرسي الكحلي القديم؟ بقى بالنسبة لعيلتنا رمز ودرس يتعلم منه يونس لما يكبر.. إن المكانة والقدر مش بكرسي ولا بمنصب ولا بتدليل زائف.. المكانة الحقيقية بالأصل الطيب، والاحترام، ومخافة ربنا في الناس.
تمت