القشة التي قصمت ظهر العيلة

​يوم الإثنين، الساعة تمانية الصبح.
​الشمس كانت لسة بدأت تشرق على الشارع لما دُقّت أوتار اليافطة الضخمة في مدخل الجاردن الصغيرة قدام البيت. يافطة بلاستيك مقوّى باللون الأحمر والأسود مكتوب عليها بخط عريض يغلّفه كبرياء القانون:
​”للبيع — عقار مميز للبيع بأعلى سعر — المراجعة مع المكتب العقاري: أ/ مدحت”
​أنا كنت واقف على بعد كم متر، ساند ضهري على العربية وممركّز نظري على شباك الصالة. مدحت كان واقف جنبي بيمسح نظارته بمنديل ورقي وبيهز رأسه بنبرة هادية:
​”تفتكر هيستوعبوا في قد إيه يا إياد؟”
​”أبشرك يا مدحت.. الكارثة عندهم مش في البيع.. الكارثة إنهم فاكرين إن الدنيا ملكهم، وأول ما البساط ينسحب، هتفوق العيلة كلها على الحقيقة.”
​بعد عشر دقايق بالضبط، اتفتحت البوابة الخشبية. خرج أبويا وهو لابس روبه القديم، في إيده كوباية الشاي، وبيمد إيده يلم الجريدة.. بس عينيه اتسمرت على اليافطة.
​الكوباية وقعت من إيده اتكسرت على الأسفلت.
​أبويا مسح عينيه بظاهر إيده كأنه مش مصدق اللي شايفه، وبعدين صرخ بصوت هز الشارع كله:
​”ماااااجدة! انزلي شوفس المهازل اللي بتحصل قدام البيت!”
​في ثواني، كانت أمي طالعة بجلابيتها، ووراها تيسير بشعرها المنكوش ولابسة الروب الكشمير. الثلاثة وقفوا قدام اليافطة كأنهم واقفين قدام قنبلة موقوتة.
​تيسير هي أول واحدة أخدت رد فعل. قربت من اليافطة بجنون، ومسكت الخشب وحاولت تقلعه من الأرض وهي بتصرخ بصوت هيستيري:
​”مين الحمار اللي حاطط القرف ده قدام بيتنا؟! أنت يا مدحت! يا راجل يا خرفان أنت، بتبيع بيت مين؟!”
​مدحت بكل برود الدنيا طلع من جيبه كارت المكتب وورقة مطبوعة بالختم النسري:
​”يا آنسة تيسير عيب الألفاظ دي.. أنا راجل بمشي بالقانون. العقار ده معروض للبيع بناءً على طلب المالك الرسمي والوحيد للبيت.”
​أبويا قرب وهو بيترعش من الغضب، وشفت العروق في رقبته بارزة زي الأحبال:
​”مالك مين يا أستاذ أنت؟! ده بيتي! أنا اللي بانيه بجمالي وعرقي! مين اللي مأجرك تعمل التمثيلية الرخيصة دي؟!”
​هنا.. خطيت خطوات بطيئة للقدام. وقفت جنب مدحت، حطيت إيدي في جيبي، وبصيت في عين أبويا مباشرة بجمود تام:
​”أنا المالك يا حاج رضوان.. والتمثيلية دي حقيقة، من بكرة الصبح البيت هيدخله معاينات للمشترين.”
​الشارع سكت. النسمة الصباحية مكانش فيها غير صوت أنفاسهم المتسارعة.
​أمي بصتلي بذهول، وحطت إيدها على صدرها وكأنها بتتمسكن:
​”إياد؟! أنت بتبيع بيت أباك وأمك يا إياد؟! عشان خاطر حتة جزمة حذفتها أختك في لحظة طيش؟! تبيع السقف اللي ساترنا؟!”
​رديت عليها بنبرة جافة، نبرة راجل شال فوق طاقته لحد ما ضهره اتكسر:
​”لا يا أمي.. مش عشان حتة جزمة. الجزمة دي كانت مجرد القشة اللي قصمت ضهر البعير. أنا ببيع البيت عشان نسيتوا إن السقف ده أنا اللي دفع تمنه من دم قلبي لما البنك كان هيطردكم في الشارع من خمس سنين! ببيعه عشان لما مراتي الحامل اتهانت، أبويا ضحك وأمي قالتلها اقعدي على الأرض! ببيعه عشان القعدة على ‘الكرسي’ بقت عندكم أغلى من كرامة بني آدمة شايلة ابني في بطنها!”
​تيسير صرخت بقلة أدب وهي بتمشي نحو خطوة:
​”أنت نذل! فاكر نفسك بقيت بيه عشان معاك قرشين؟! البيت ده بيت أبويا ومش هتنزل منه طوبة واحدة، وأعلى ما في خيلك اركبه!”
​بصيت لتيسير بابتسامة سردة ما فيهاش أي نقطة رحمة:
​”البيت ده باسمي في الشهر العقاري يا تيسير.. والعقد المقفول اللي سددت بيه الديون بيثبت إني شاري المبنى والأرض. قدامكم بالضبط ٣٠ يوم تلموا فيهم كراكيبكم وتشوفوا مكان تؤجروا فيه.. لأن المشتري الجديد هيستلم البيت فاضي.”
​أبويا وشه بيض، وهز رأسه بقلة حيلة وقال بنبرة انكسار مخلوطة بكبرياء زائفة:
​”أنت بتطرد أباك وأمك عشان مرتك؟ بتفضل الغريبة على دمك يا إياد؟”
​”سارة مش غريبة يا حاج.. سارة هي اللي صانتني وصانت بيتي، سارة لما شافتني بتعب في المطاعم كانت بتقف جنبي، مش بتقعد على كرسي فوتيه وتطلب دليفري وتحدف الناس بالجزم! أنتم اللي بعتوني لما اعتبرتم إني مجرد ‘ماكينة فلوس’ وخدّام لحضراتكم.. والنهارده الماكينة عطلت والخدمة انتهت!”
​سيبتهم ومشيت، وصوت صريخ تيسير وعياط أمي كان مالين الشارع.
​مرت ٤ أيام.
​خلال الأيام دي، التليفون مكانش بيبطل رن. أمي بتتصل وتبكي وتقول: “يا بني اتقِ الله فينا، أختك غلطت ونحقك عليا”.. وأبويا يبعت قرايبنا وعمامي عشان يضغطوا عليا بكلمة “العيب والحرام وسر أهلك”.. لكن ردّي لعمامي كان واضح ومختصر:
“اللي زعلان على الحاج رضوان والحاجة ماجدة، يتفضل يفتح بيته ويستضيفهم عنده بعزهم وكرامتهم.. أنا شيلتهم ٥ سنين مجاناً، والنهارده جيل دوركم!”.. طبعاً، محدش من العمامات فتح بقه ولا حد عرض يستقبلهم!
​يوم الخميس، اتصل بيا مدحت:
​”إياد.. فيه مشتري جاهز، رجل أعمال عاوز البيت بـ ٨ مليون جنيه كاش، وهيزور العقار بكرة الجمعة بعد الصلاة عشان يعاين الصالة والمبنى.”
​”تمام يا مدحت.. بلغهم إن المعاينة بكرة، ولو فيه أي اعتراض هجيب شرطة المرافق ورجالتي ونفذ الإخلاء.”
​يوم الجمعة بعد الصلاة..
​وصلت أنا ومدحت والمشتري، الأستاذ “توفيق”. رجل أعمال محترم ورصين.
أول ما فتحنا الباب بالمفتاح الماستر اللي معايا، لقينا المنظر جوة كأنه ساحة حرب.
​أبويا قاعد على الكنبة الخشب، وشه مطفي ودبلان. أمي قاعدة في الزاوية ماسكة سجادتها وبتدعي. أما تيسير.. فكانت قاعدة على “الكرسي الكحلي”.. لفّة دراعاتها حولين نفسها، وعينيها مليانة غل وشر.
​الأستاذ توفيق اتفرج على الصالة، وقال بإعجاب:
​”ما شاء الله، المساحة ممتازة والتشطيب عالي.. بس الكرسي ده قشره قديم أوي يا إياد بيه، ده محتاج يترمى في الزبالة عشان يتوسع للمكان.”
​أول ما توفيق نطق كلمة “يت رمى في الزبالة”.. تيسير وقفت فجأة كأنها اتكهربت!
صرخت بكل صوتها:
​”محدش يرمي حاجة! محدش يدخل هنا! البيت ده مش للبيع! والكرسي ده بتاااعي!”
​أمي جرت عليها تحاول تهديها: “بس يا تيسير يابنتي اسكتي الله يهديكي..”
بس تيسير زقت أمها بقسوة وقالت:
​”أنتِ السباب! أنتم اللي سكتولها من الأول! لو كنتم طردتم سارة دي من البيت يوميها مكانش إياد تجرأ يعمل فينا كده!”
​أبويا وقف لأول مرة في حياته، وبص لتيسير بنظرة مختلفة تماماً.. كانت نظرة صدمة وإدراك متأخر. بص لبنته الدلوعة اللي ضحى بابنه العاقل عشان خاطر يدّلعها، ولقاها بتزق أمها وبيصرخ في وشه!
​أبويا قرب منها بصوت مرعوش:
​”أنتِ بتقولي لأمك بس؟ أنتِ بتقللي أدبك علينا عشان حتة كرسي؟! هو ده الثمن اللي بندفعه عشان دلعناكي؟!”
​تيسير ردت بقلة احترام وغل:
​”أنتوا اللي ضعاف! أنتوا اللي خليتوه يركبنا وياخد البيت باسمه!”
​في اللحظة دي.. أبويا رفع إيده، وضرب تيسير بالقلم على وشها! قلم رن في أركان الصالة المتربة!
​تيسير حطت إيدها على خدها بذهول تام.. دي كانت أول مرة في حياتها كلها أبويا يمد إيده عليها أو يرفع صوته.
​أبويا بصلي بدموع حبوسة في عينيه، وبنبرة مكسورة تماماً قال:
​”عندك حق يا إياد.. إحنا اللي ربينا الأفعى في بيتنا، وإحنا اللي نستاهل اللي بتعمله فينا.. كمل بيعك يا بني.. إحنا ملناش عين نتكلم تاني.”
​أنا وقفت مكان حاد زي الصخر. الموقف كان موجع.. بس كان لازم الكي يتم عشان الجرح يلم.
​تيسير بصت للكل بكراهية، وجرت على أوضتها فوق وهي بتصرخ وتبكي.. بينما المشتري الأستاذ توفيق طلع شيك الإرباط وقال:
​”أنا شاري يا إياد بيه.. الشيك أهو، والتسليم الشديد الشهر الجاي.”
​بصيت للكرسي الكحلي الضخم المأكول.. الكرسي اللي كان سبب في خراب العيلة والبيت، وقلت لمدحت بصوت هادي:
​”الأستاذ توفيق مش عاوز الكرسي ده يا مدحت.. خد العمال بكرة، وارموا الكرسي ده في الشارع مع زبالة الحي!”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *