القشة التي قصمت ظهر العيلة

“لما فردة الجزمة طارت في الهوا وكان فاضل سانتي واحد وتخبط في وش مراتي الحامل في الشهر السابع، أنا ملمحتش في عين أختي أي ندم.. المحزن أكتر، إني لما بصيت لأبويا لقيت ضحكته ملية الوش، وأمي بتمسح إيدها في الفوطة وبتقول ببرود: ‘معلش يا سارة يا حبيبتي.. اقعدي على الأرض المرة الجاية، أنتِ عارفة أخت جوزك حساس قد إيه ناحية الكرسي ده!’.. في اللحظة دي بالذات،سحبت مفاتيح عربيتي، وطلعت تليفوني، وطلبت رقم السمسار: ‘البيت الكبيرة يا مدحت.. ينزل للبيع بكرة الصبح!’.”
​أنا إياد، عندي ٣٦ سنة. راجل أفنيت عمري في التعب والشقا لحد ما ربنا فتحها عليا وبقيت بملك ثلاث مطاعم كبار. شغلي في المطاعم علمني إن ضبط النفس مش مجرد ميزة، ده وسيلة بقاء! وسط حروق المطابخ، وخناقات الصنايعية نص الليل، والزبون اللي بيصرخ عشان الشوربة دافية مش بتغلي.. أعصابي اتقصبت بقت زي الحديد. عشان تنرفزني أو تخرجني عن شعوري، محتاج معجزة.
​بس يظهر إن أهلي فسروا هدوئي وصبري طول السنين اللي فاتت على إنه “هبل” أو “قلة حيلة”. والأنكى من كده.. إنهم نسوا تماماً، أو تناسوا بعين حمرا، إن السقف اللي مأويهم والحيطان اللي شايلانا كلنا.. بتاعتي أنا، بقبالة ورسمي وبفلوس حر مالي!
​من خمس سنين فاتوا، أبويا “الحاج رضوان” قرر يرمي طوبة الشغل ويطلع معاش مبكر. ليه؟ عشان اتخانق مع مديره واكتشف فجأة إن المدير “مش فاهم حاجة”. طبعاً أبويا اشتغل ٢٧ سنة في شركة شحن، وفي خلال السنين دي اتعامل مع ١٤ مدير، وكان شايف إن الـ ١٤ مدير غبايا وهو الوحيد اللي صح! أصل الحقيقة اللي محدش كان يقدر يواجهه بيها في البيت، إن المشكلة مكانتش في المديرين.. المشكلة كانت عنده هو.
​أما أمي “الحجة ماجدة”، فكانت بتتعامل مع الفلوس كأنها ضيف خفيف لازم يمشي بسرعة. لو حسابها في البنك فيه ٥٠٠ جنيه، تصرف ٦٠٠ وتعتبر غرامة السحب على المكشوف دي مجرد “ضريبة أناقة”!
​النتيجة كانت كارثية. غرقوا في الديون، ورهنوا بيت العيلة مرة وتانية، وفي الآخر أبويا أخد آخر قرشين وحطهم في مشروع كفتة وعربيات أكل مع صاحبه “فتحي”، مشروع مالوش أي ترخيص ولا دراسة جدوى، وبخر الفلوس في الهواء في خلال ٣ شهور.
​لما المحكمة بعتت إنذار بالطرد والبيت كان خلاص هيتباع في المزاد العلني ووالديا هيرموا في الشارع.. أنا اللي تدخلت.
​مكانش ينفع أشوف أبويا وأمي في السن ده بيتبهدلوا. سددت الديون المتراكمة، ونقلت ملكية البيت باسمي، وجددت السباكة والكهرباء اللي كانت متهالكة، وغيرت السقف، وقلتلهم: “البيت بيتكم، اعتبروا نفسكم عايشين في ملككم، مش عاوز منكم غير إنكم تدفعوا فواتير الكهربا والمية عشان تحسوا بمسؤوليتكم.”
​أنا عملت ده عشان يحفظوا كرامتهم في كبرهم. بس يظهر إن دي كانت أكبر غلطة عملتها في حياتي.. لأنك لما تدي لبعض البشر بيت مجاناً لمدة خمس سنين، مخهم بيلغي فكرة إن دي “جدعنة منك وفضل”، وبيعتبروها “حق مكتسب زي الهوا والشمس”!
​وهنا ييجي دور الكارثة الكبرى.. أختي “تيسير”.
​تيسير عندها ٣٢ سنة، مقيمة في الأوضة المتروكة فوق في بيت أهلي بقالها ١١ سنة. اتجوزت مرة واحدة لمدة ٨ شهور بس، وجوزها رجعهالنا على البيت وقال كلمتين: “أنا اتجوزت بني آدمة، متجوزتش ملكة فرعونية فاكرة العالم كله خدامين عندها!”.
​تيسير هي “الابن المدلل”. عارفين القاعدة العائلية القبيحة دي؟ “إحنا بنحبكم أنتم الاتنين قد بعض، بس بنعاملك غيرها عشان أنت الراجل العاقل”! الترجمة الحقيقية للجملة دي هي: “أنت يا إياد هتدفع وتتعب وتتحمل الكوارث، وتيسير هتاخد الدلع والدعم والفلوس وتعمل اللي هي عاوزاه!”.
​تيسير كل ٩ شهور تطلع بفتكسة شغلانة؛ يوم تعمل نفسها خبيرة تجميل، ويوم أخصائية طاقة وصخور كريمة، ويوم رسامة هاند ميد.. وكل مشروع يبدأ برأس مال ضخم من جيب أبويا (اللي هو أساساً من جيبي)، وينتهي بإنها تزهق وتقعد في البيت تطلب دليفري!
​وفي وسط كل الهبل ده.. كان فيه “الكرسي”!
​الكرسي ده كان فوتيه جيلد ضخم لون كحلي، من أيام جدي الله يرحمه. محطوط في صدر الصالة. الكرسي ده مكانش مجرد حتة خشب وقمقاش.. ده كان بالنسبة لتيسير “دولة ذات سيادة”! من وهي في ثانوي، أعلنت ملكيتها الكاملة للكرسي ده. ممنوع حد يقعد عليه. العيلة كلها كانت بتعمل ألف حساب للكرسي. لو فيه ضيف جه، أمي تجري تحوله على الكنبة الخشب ناشفة عشان “تيسير لو نزلت ومقعدتش على كرسيتها هتعمل مناحة”!
​وسارة.. مراتي المسكينة.. مكانتش تعرف حاجة عن قوانين السيرك ده.
​سارة كانت شايلة في بطنها ابننا الأول، في الشهر السابع. ضهرها وجعها جداً من ألم العصب النسا. وصلنا بيت أهلي يوم السبت عشان نتغدا سوا. تيسير كانت نايمة فوق، وأمي في المطبخ بتعمل الأكل. سارة من تعبها، مشيت بخطوات بطيئة، واتنهدت، وقعدت على الفوتيه الكحلي.. أريح حتة في الصالة.
​أنا لمحتها، وقبل ما ألحق أقولها حاجة، قلت في بالي: “أنا كبرت، وأختي كبرت، ومش معقول عشان كرسي هتكون فيه مشكلة، سارة حامل وتعبانة.”.. كنت متفائل زيادة عن اللزوم!
​بعد ٣ دقايق بالضبط، نزلت تيسير من على السلم. أول ما شافت سارة قاعدة على الكرسي، وشها اتقلب. اتسمرت في نص الصالة، وشاور بإيدها وهي بتترعش من الغضب، وزعقت بصوت زلزل البيت:
​”أنتِ قعدتِ على الكرسي بتاعي ليه؟! قووومي!”
​سارة بصلتها بذهول، مفتكرة إنها بتهزر أو بتكلم القطة:
​”معلش يا تيسير، أنا ضهري وجعني أوي من الحمل، هقعد ٥ دقايق بس أريح ضهري وهقوم..”
​تيسير برقت عينيها وزعقت أكتر:
​”قلتلك ده كرسسسسيييي! مش مسموح لحد يقعد عليه! قووومي فوراً!”
​أنا دخلت فوراً في الكلام وبنبرة هادية بس حازمة:
​”تيسير! عيب الكلام ده! سارة حامل في السابع ومش قادرة تقف، اتفضلي اقعدي على الكنبة الكبيرة، الصالة مليانة كراسي!”
​تيسير بصلتي بصلف وقرف:
​”أنا مبقعدش غير هنا! ده مكاني من طول عمري!”
سارة بصتلي وهي مش مصدقة العبط اللي بيحصل، وقالت بثبات كبرياء:
​”أنا مش قادرة أقوم دلوقتي يا تيسير.. لما أستريح هقوم.”
​وفي لحظة جنون غير متوقعة.. تيسير وطت، قلعت فردة جزمتها الجلد، وبكل غل وحقد، طيرتها في الهوا باتجاه وش سارة!
​الجزمة عدت جنب أذن سارة بمليمترات، وخبطت في الفازة الكريستال اللي وراها كسرتها حتت!
​السكوت نزل على المكان زي الصاعقة. سارة إيدها كانت على بطنها وبترتعش، وبصت للجزمة اللي وقعت في الأرض وبعدين بصتلي بدموع محبوسة وبهمس مكسور:
​”هي.. هي حذفت عليا الجزمة؟”
​تيسير صرخت: “عشان تتحديني وتعرفي مقامك!”
​هنا، كنت مستني أبويا يتدخل، يمسكها من إيدها ويربيها.. بس أبويا أخد الموضوع بضحكة كركرة عالية، وقال وهو بيخبط على ركبته:
​”هههههه معلش يا جماعة، هرمونات الحمل مخلية الكل مشدود، كبروا دماغكم، هزروا سوا!”
​وأمي خرجت من المطبخ، شافت الفازة المكسورة والجزمة، وبدأت تطبطب على تيسير، وبعدين بصت لسارة وبنبرة قطافة تقطر برود وقسوة قالت:
​”جرى إيه يا سارة يا حبيبتي؟ ما تقعدي على الأرض المرة دي وخلاص بدال الشوشرة دي كلها! أنتِ عارفة أخت جوزك حساس قد إيه ناحية الكرسي ده، ليه بتحبي تعملي مشاكل؟!”
​سارة مكانتش محتاجة تسمع كلمة زيادتين. قامت بالراحة، مسحت دمعة هربت من عينها، ومسكت جاكتها.. وأنا أخدت مفاتيح عربيتي وطلعت تليفوني.
​خرجنا ورا بعض، وسارة بتبكي في الصمت المرعب اللي جوة العربية. أنا مسكت التليفون وكلمت الأستاذ مدحت.. سمسار العقارات اللي مبيعرفش الرحمة.
​”أيوة يا إياد يا بني.. خير؟”
​”أستاذ مدحت.. بيت العيلة اللي في الشارع الرئيسي.. ينزل للبيع من بكرة الصبح!”
مدحت سكت ثانية، وصوت لوحة المفاتيح بتاعته كان باين:
​”للبيع؟ بس يا إياد أهلك عايشين فيه!”
​”هينزل للبيع بأعلى سعر في السوق يا مدحت.. أنا عاوز أصفي الملكية دي بكرة قبل بعده.”
​”أهلك عندهم علم؟”
بصيت من شباك العربية، شفت أبويا بياخد فردة الجزمة من الأرض وبيديهالها بابتسامة وهو يطبطب على كتفها وكأنها عملت إنجاز.
​”لا يا مدحت.. معندهمش علم.. هينزلوا يلاقوا اليافطة متعلقة بكرة!”
​مدحت اتنفس ببطء وقال:
​”تمام.. أنا هجيب معايا يافطتين للبيع.”
​”ليه يافطتين؟”
رد مدحت بنبرة فاهمة:
​”عشان عندي إحساس إن اليافطة الأولى أختك هتكسرها من الصدمة أول ما تشوفها!”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *