حق شقايا

​في عز عزومة عيد جوازنا، اخت جوزي ضربتني بالقلم عشان غرفت لنفسي أولي. بس اللي كسر بيتي ودمر جوالي بجد ماكانش القلم، كان العقد السوليتير الأزرق اللي بـ 200,000 جنيه اللي كان نازل على صدرها. ولما جوزي ماحركش ساكن وقعد يبص في طبقه وهو ساكت، ماردتش القلم بس.. رفعت إيدي وضربتها، وأخدت عيالي ومشيت. وبعد 11 يوم، المحامي بتاعي كشف سر أسود جوزي كان فاكر إنه اتدفن مع الأيام.
​”إنتي شكل نسيتي مقامك كويس في البيت ده!”.. صوت نيرمين اخت جوزي طالع زي السم، والكلمة ناطقة بعد ما ضربتني قلم على وشي هدد القعدة كلها، وكل ده عشان بدأت أغرف لنفسي قبلهم.
ماتنزلتش مني دمعة واحدة. عينيا راحت على طول على طارق، جوزي. كان قاعد زي الصنم، باصص للمفرش اللي قدامه ومبلم.
“إنت هتقعد ساكت كده زي الجبان يا طارق؟” زقيت الكلمة بالعافية وصوتي بيرجف من الغل.
سكوته كان هو الرد. بس فجأة، عيني لقطت حتة ألمازية بتلمع على رقبة نيرمين.. دلاية ياقوت أزرق متداورة بألماظ داير داير.
دمي جمد في عروقي.
“عقد شيك أوي يا نيرمين،” قلتا بصوت واطي يرعب، حظر الكلام في الصالة كلها. “ده اللي اتجاب من المزاد الشهر اللي فات، صح؟ اللي رسي على… 200,000 جنيه بالظبط.”
طارق رقبته اتلوت وشاله اتخطف، والدم هرب من وشي. “يا جيهان، استني بس افهمك—”
“تفهمني إيه؟” خبطت بإيدي على الترابيزة بكل قوتي. “من 3 أسابيع اتسحب من حسابنا المشترك 200,000 جنيه وقعدت تحلف بالله إنها سلفة لواحد صاحبك في ضيقة ومحتاجهم ضروري! يطلع شقايا وشغلي بيروح لذهب ومجوهرات اختك؟!”
“إنتي إزاي تتجرأي وتعلى صوتك عليه كده!” راحت نيرمين قايمة وداخلة عليا بغل.
طاخ.
صوت القلم رن في الأوضة. المرة دي كانت إيدي أنا اللي بتاخد حقها. حماتي صرخت ولطمت على صدرها من الصدمة.
“الراجل اللي يسيب مراته تتهان قدامه ومايحميهاش ده مش راجل!” بصيت لطارق بقرف. “واللي يسرق أهل بيته عشان يدلع أخته يبقى حرامي ومايسواش!”
شديت عيالي من إيديهم وخرجت مرفوعة الراس وماسكة نفسي بالعافية.
​بعد 72 ساعة، كنت حاطة كشف الحسابات قدام أستاذ عبد الرؤوف، أكبر محامي أحوال شخصية في البلد.
“أنا عاوزة الحضانة الكاملة للعيال، والبيت يتكتب باسمي، وتعملي جرد مالي شامل لكل قرش لمسه الخمس سنين اللي فاتوا.”
عدل نظارته وبصلي بتركيز: “اعتبري كل ده حصل. بس جمدي قلبك يا جيهان.. لما بنفتش ورا واحد متعود يكذب، غالباً بنطلع بلاوي ألعن بكثير من مجرد عقد اتسرقت فلوسه.”
إيديا كانت بترتعش.. يا ترى إيه السر الأسود اللي كنت عايشة معاه تحت سقف واحد بقالي 11 سنة؟
بعد أسبوعين، كانت البلاوي بدأت تظهر على أصلها. أستاذ عبد الرؤوف طلبني في مكتبه، وكان حاطط قدامه على الترابيزة دوسيه بني تقيل شكله يلقي الرعب في القلوب.
​”الـ 200,000 جنيه بتوع العقد دول كانوا مجرد القشرة اللي على الوش يا جيهان،” أستاذ عبد الرؤوف قالها ووشه جاد جداً ومن غير ابتسامته المعتادة. “على مدار الـ 4 سنين اللي فاتوا، طارق كان بيشفط من حسابكم المشترك مبالغ وصلت لأكثر من 2 مليون جنيه بالراحة! يحول مبالغ صغيرة في تواريخ متفرقة، وكلها مكتوبة تحت بند ‘صيانة للبيت’ أو ‘مصاريف استشارات’.”
​”والفلوس دي راحت فين؟” سألته، وجالي مغص في بطني من كثر الخوف.
​”راحت لحساب الشركة بتاعة نيرمين أخته.. شركة ‘المائدة الذهبية’ للحفلات والتجهيزات.”
​ضحكت بسخرية وهزيت رأسي: “ده كان دايماً يقولي إنه بيساعدها كل فترة عشان شغلها بيكبر وبيتوسع! حتى حماتي سعاد كانت دايماً تتباهى قدام الناس كلها بإن نيرمين سيدة أعمال ناجحة أد إيه!”
​أستاذ عبد الرؤوف مال بجسمه لقدام وسند إيديه على بعض: “يا جيهان، مفيش شركة أساساً. ‘المائدة الذهبية’ أفلست رسمياً وشالت خشبها من 3 سنين فاتوا.”
​حسيت إن الأوضة بتلف بيا. “إيه؟ إزاي؟! دي لسه المحلات شغالين باسمها، والعربيات المكتوب عليها اسم الشركة لسه بتتحرك!”
​رد بجمود: “ده مجرد ديكور ومظهر كذاب.. شو إعلامي. من 3 سنين، نيرمين عملت بوفيه في فرح ناس واصلين أوي في البلد، وحصلت حالة تسمم جماعي ضخمة جداً والناس دخلت المستشفيات. كان مرفوع عليها قضايا إهمال وتنازلات كفيلة تحبسها وتدمرها. حماتك تدخلت وبمعارفها وعلاقاتها لموا الموضوع من تحت لتحت ودفعوا تعويضات للمصابين عشان الموضوع ما يوصلش للصحافة والأخبار.”
​فضلت باصة له، وبدأت أجمع الخيوط الحرامية في دماغي.. “يعني الـ 2 مليون جنيه…”
​أكدلي كلامي وقال: “كانت فلوس سكوت وخاطر.. دفع تعويضات للضحايا اللي مضوا على إقرارات بعدم الكلام، ومصاريف للمحامين، وفلوس عشان يفضل اليفطة مفتوحة والمحلات شغالين شكلياً.. كل ده عشان الست الهانم حماتك وصورتها قدام مجتمع الهوانم ما تتهزش بإفلاس بنتها.”
​جوزي.. اللي المفروض سندي.. كان بيسحب نقطة نقطة من شقايا وعرقي وفلوسنا عشان يصرف على منظرة وعقد النقص بتاعة عيلته. خيانته ليا كانت وجع جسماني، زي ما أكون مضروبة في ضلوعي وكل ما أتنفس بحس بكسرة.
​”إحنا كده ماسكينه متلبس بخيانة أمانة وفلوس مخفية، والقضية في جيبنا،” أستاذ عبد الرؤوف قال وهو بيقلب آخر صفحة في الدوسيه. “بس المشكلة الكبيرة مش هنا.. المصيبة في دي.”
​سحب ورقة واحدة وحطها قدامي على الترابيزة. كانت عقد تنازل رسمي وموثق في الشهر العقاري، تاريخه من سنة ونص فاتوا. العقد ده بيدي نيرمين وحماتي حق ملكية 10% من شقتي.. الشقة اللي أبويا الله يرحمه ساعدني في ثمنها، واللي شقيت وتعبت وعرقت عشان أجهزها وأخليها بيت محترم.
​وفي آخر الورقة تحت.. كان فيه إمضائي أنا بالكامل!
أول ما شفت إمضائي على الورقة، الدنيا أظلمت في وشي. “دي مش إمضائي يا أستاذ عبد الرؤوف! أنا عمري ما مضيت على تنازل زي ده!”
المحامي ابتسم ابتسامة هادية وقال لي: “أنا عارف.. التزوير باين من بعيد، وده الكارت اللي هنكسب بيه الجولة كلها. طارق استغل إنك بتثقي فيه ومضاكي على أوراق وسط ورق مصاريف المدرسة أو صيانة الشقة، أو زور التوقيع بنفسه. ودي ج/ريمة تزوير في أوراق رسمية توديه هو وأخته في داهية.”
​خرجت من مكتب المحامي ودمي بيغلي، بس المرادي ماكانش خوف.. كان ثأر وعزم. قررت ما أستنوش لما يجيلي، أنا اللي رحت له.
​جمعت نفسي ورحت على بيت حماتي سعاد، وعرفت إنهم كلهم قاعدين هناك بيحتفلوا بعيد ميلاد نيرمين. خبطت على الباب ودخلت بكل هدوء وثبات. أول ما شافوني، نيرمين رفعت رأسها بفرعنة وحماتي قامت تنفخ، وطارق وشها جاب ألوان وقام وقف.
​”إنتي إيه اللي جابك هنا؟ جاي تعتذري وتترجي طارق يرجعك؟” نيرمين قالتها وهي بتلعب بالدلاية الياقوت اللي على رقبتها.
​ابتسمت ابتسامة باردة طلعت إظرف أبيض من شنطتي وحطيته على الترابيزة قدامهم.
“لا يا حبيبتي، أنا جاية أرميلكم باقي القمامة اللي نسيتها.”
​طارق فتح الظرف بإيد بكيخة، وأول ما شاف الأوراق.. ركبه خبطت في بعضها. كانت صور من كشوفات الحسابات الحقيقية، وقضية التزوير المرفوعة للنيابة، وإحالة نيرمين وطارق للتحقيق في أموال المحل المفلس والتعويضات.
​”إيه ده يا طارق؟” حماتي سعاد صرخت وهي بتسحب الأوراق.
قربت من طارق وبصيت في عينيه بثبات: “الـ 200,000 جنيه بتوع العقد، والـ 2 مليون اللي اتسرقوا من شقايا وشقى عيالي، والشقة اللي فكرت تزوّر تنازل عنها.. كل ده هترجعه بالقانون للقرش الأخير. والنيابة قدامها إبلاغ بتزوير محرر رسمي، يعني السجن مستنيك يا ابن الأصول.”
​نيرمين وشها اصفر وبدأت تصرخ: “إنتي بتتبلي علينا! طارق، أعمل حاجة! ساكت ليه؟!”
بس طارق المرة دي ما بصلهاش، وقع على الكرسي وهو بيترجاني بصوت مكسور: “يا جيهان ارجوكِ.. بلاش الفضايح، إحنا بيننا عيش وملح وعيال.. أنا مستعد أصلح كل حاجة وأكتبلك الشقة باسمك بالكامل والمحل كمان!”
​رديت عليه بصوت جاف هز الأوضة كلها: “العيش والملح صنته، بس إنت اللي طمرت فيك الخيانة. والراجل اللي يسرق بيته وعياله عشان يداري على بلاوي غيره ما يلزمنيش. المحكمة هي اللي بيني وبينك.”
​مديت إيدي بكل ثقة وسحبت العقد الياقوت من على رقبة نيرمين بقوة لدرجة إن السلسلة اتقطعت في إيدي: “وده من بقية فلوسي اللي اتسرقت، هاخده أضمن بيه حق عيالي لحد ما المحكمة تحكم.”
​لفيت وشي وخرجت من الباب ورأسي مرفوعة للسما، وأصوات صراخهم وعياطهم مالية المكان ورايا. بعد شهرين، المحكمة حكمت لي بالحضانة الكاملة للعيال، واسترداد كل الفلوس والممتلكات، وطارق وشقيقته لبسوا القضية رسمياً.
​يومها بس، حسيت إني تنفست حرية حقيقية، وعرفت إن الحق لما يرجع، البيوت بتتطهر من الخونة!
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *