البيت بيتي.. اطلعوا بره!

في اللحظة اللي كانت فيها عيلتي قاعدة جوه الفيلا بتضحك وبتاكل على سفرة مليانة بأشهى الأكل والشموع والأنوار الدافية، كان حفيدي “يونس” ابن السبع سنين مرمي في البرد بره.. عريان بتيشيرت وشورت، وشفايفه زرقا من كتر الثلج!
​ما كانش عقاب.. ولا كان مجرد “ساعة زعل”.. دا كان شروع في ق/تل بالبطيء!
​أول ما شلت الولد ودموعي نازلة على وشه الميت من البرد ورزعت الباب ودخلت بيه، مرات ابني وقفت بكل بجاحة وقالت لي:
​”دا كان بيبكي وبيعمل دراما وعكر علينا العزومة!”
​وابني بص لي ببرود وقال:
​”أنت مكبر الموضوع يا بابا.. نزل الولد وتوكل على الله.”
​بصيت في عين ابني بثبات وبعين متجمعة فيها كل دموع القهر، ورزعت في وشه أربع كلمات هزوا أركان المكان:
​”البيت بيتي.. اطلعوا بره!”
​أربع كلمات بس.. خلوا وشه يصفرّ واللقمة تقف في زوره.
​بس عشان تفهم الأربع كلمات دول ليه طيروا النوم من عينه وخلوا وشه يصفرّ، لازم تعرف الكارثة اللي حصلت قبل اللحظة دي بأربع ساعات بس!
​أنا اسمي الحاج عبد الجواد، عندي تسعة وستين سنة.
​صباحية اليوم دا بدأت بإنذار جه على تليفوني من البنك.. الساعة كانت ستة الصبح.
​سحب مالي ضخم من الحساب الخيري العلاجي اللي أنا عامله لحفيدي يونس..
المبلغ: 300 ألف جنيه.
​والبيان اللي مكتوب مع العملية: جلسات علاج تنفسي طارئة ومستلزمات طبية.
​قعدت متنح في الشاشة.. يونس من وهو صغير عنده حساسية شديدة على الصدر، وأنا عملت الحساب دا لسبب واحد بس.. يسحبوا منه لأدويته وجلسات الأكسجين.
​300 ألف جنيه تتسحب الساعة ستة الصبح يوم عزومة العيلة؟ الموضوع فيه إنا وميدخلش عقل!
​كلمت ابني “طارق” فوراً.. ما بيردش.
كلمت مراته “شيرين”.. التليفون مقفول.
​نغزة شديدة جت في قلبي.. فيه مصيبة بتتطبخ ورا ضهري!
​بعد أربع ساعات سواقة تحت المطر وفي الساقعة والزحمة، وصلت عند فيلتهم. بدل ما أدخل بالعربية في الكراج، ركنت بعيد في أخر الشارع.. حاسة الراجل اللي عاش 69 سنة كانت بتقول لي إن فيه حاجة غلط.
​نزلت ومقرب ناحية باب الجنينة.. وهناك شفت الفاجعة.
​يونس قاعد مسند ضهره على السور.. بتيشيرت وشورت.. ورجليه العريانة سقعانة ثلج. ضامم ركبه لراسه وبيترعش بشدة، والتنفس بتاعه طالع بصوت حشرجة مرعبة!
​وقفت متسمر في مكاني..
وراه، من ورا الأزاز، صالة الأكل منورة ودافية.. طارق قاعد بياكل وبيضحك، وشيرين جنبه وأهلها معزومين، والأكل متستف والضحك واصل لبره، وحفيدي بره بيموت!
​”يونس؟”
​رفع عينيه بالعافية بص لي.. قلعت بالتويا التقيل ولفيته بيه وحضنته، ودخلت بيه من باب الجنينة على صالة الأكل.
​البيت كله سكت.. الملاعق والأطباق اتعطلت في الهواء.
​شيرين كانت أول واحدة تفتح بقها بتوتر:
​”دا كان بيصرخ وبيعمل دراما! رفض ياكل وكان هيخرب علينا اللمة!”
​ما رديتش عليها.. بصيت ليونس اللي كان لسه بيترعش تحت بالتويا.
​”بقاله قد إيه بره؟”
ردت بسرعة: “خمس دقائق بس!”.. ردت بسرعة تثير الشك.
​طارق زق كرسيه وقام قرب مني:
​”يا بابا أنت حابب تكبر المسألة ليه؟”
​حمى زوج شيرين اتدخل وقال بنبرة مليانة كبر: “أستاذ عبد الجواد، اتفضل مع السلامة مالوش لازمة وجودك.”
وطارق بص لي وكرر كلامه: “نزل يونس يا بابا وامشي.”
​هنا بصيت في عين ابني وقلت له كلمتي اللي قطعت خلفه:
“البيت بيتي.. اطلعوا بره!”
​من سنين، لما طارق وشيرين ما كانوش قادرين يشتروا الفيلا دي، أنا اللي كتبتها وبقت باسمي بعقد حمائي حطيت فيه شروطي عشان أضمن مستقبلهم، وعمري ما هددتهم بيه.. لحد اللحظة دي.
​ما ضيعتش دقيقة.. أخدت يونس وعلى المستشفى فوراً.
​الدكتور كشف عليه وسجل ضربات قلبه ورئته، وبعد ما راجع التحاليل، بص لي بسؤال خلاني أقف في مكاني:
​”هو أخر مرة أخد فيها أدوية وقائية أو جلسات كانت إمتى؟”
​قلت له: “أهله متابعين الموضوع دا أول بأول.”
​الدكتور بص للشاشة تاني وقال بخطورة:
​”حاج عبد الجواد.. التحاليل بتقول إن الولد دا ما بياخدش أي علاج من أشهر! أزمة الصدر دي إهمال متراكم مش بسبب برد النهارده بس!”
​جسمي قشعر.. افتكرت إشعار البنك: 300 ألف جنيه.. جلسات علاج تنفسي طارئة.
​فتحت أبلكيشن البنك ووريت الدكتور التحويل، هز راسه وقال: “أنا ما أقدرش أقولك الفلوس راحت فين، بس الولد ما دخلش عليه علاج بالقيم دي خالص.”
​طلبت إثبات حالة كامل بكل التفاصيل الطبية، وقعدت جنب يونس لحد ما لونه رد ونفسه هدي.
​خرجت الطرقات وكلمت “الأستاذ توفيق”، المستشار المالي للحسابات.
قلت له بصوت حاسم: “راجع لي كل المبالغ اللي طلعت النهارده.. بهدوء ومن غير ما حد يحس.”
​خلال دقائق قال لي: “فعلاً اتسحب 300 ألف جنيه الصبح.. تحب أعمل إيقاف؟”
بصيت على يونس وهو نايم: “لا.. اعرف لي راحت فين بس.”
​سمعت صوت الكيبورد.. وفجأة توفيق سكت.
​”إيه يا توفيق؟”
​”الحساب اللي تحول له الفلوس دا حساب شركة جديدة متسجلة باسم شيرين.. مرات ابنك!”
​الفلوس ما أتاكلتش ولا راحت في العلاج.. الفلوس راحت لحساب مشروعها الخاص!
​قبل ما أستوعب الصدمة، توفيق قال بصوت يخوف:
​”حاج عبد الجواد.. قبل ما نتكلم في التحويل دا.. فيه حاجة تانية أكبر بكتير ومصيبة سودا لازم تشوفها بنفسك في السجلات…”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *