​طوفان العدالة

في ليلة من ليالي العزومات العائلية، وفي قلب قصور الباشوات اللي الحجر فيها بيصرخ بالثراء والمظاهر، شفت جوز بنتي بيمد إيده عليها ويهين كرامتها قُدام أهله أصحاب الملايين. في ثواني معدودة، كسرـت له أربع صوابع، وسحبت بنتي من وسطهم للمستشفى. تاني يوم الصبح، أبوه المليونير بعتلي تهديد إنه هيمسحني ويخرب بيتي… ما كانش يعرف إن التهديد ده هو الصاعق اللي فجّر حظره، وإنه صحّى جحيم ما حدش هيقدر يطفيـه.
​صوت القلم نزل على وش بنتي ورنّ في الصالة الفخمة المتبلطة بالرخام زي فرقعة الرصاصة.
​بنتي “ليلى” اتردت لورا واتخبطت في بوفيه الخشب الأرو، وحاطة إيدها على خدها اللي احمرّ وورم من قوة الضربة. وكان واقف فوقيها جوزها “طارق الفايد”—الابن المدلل لأكبر عيلة أصحاب نفوذ، غرقان في الفلوس ومتربي على التكبر. وحوالين سفرة العشاء الطويلة، أهله وإخواته قاعدين بمنتهى البرود؛ أمه بتاخد بق العصير بنعومة وكأن شيئاً لم يكن، وأبوه بيبرطم بقرينة ونطاعة إن ليلى كان لازم تتعلم تحترم جوزها وتقفل بقها قُدام الناس.
​الدم غلى في عروقي وبقى يصرخ في وداني. اتنين وعشرين سنة خدمتي كظابط سابق في العمليات الخاصة اتفعلت في جزء من الثواني.
​ما اتكلمتش، وما زعقتش. لميت نفسي واتحركت ناحيته بـ 3 خطوات حاسمة.
​طارق لفلي ووشه متقاطع من الغل، ورفع إيده اليمين عشان يزقني لورا: “ما تتدخلش يا راجل يا كركوبة! دي مراتي وهتربى تحت إيـ…”
​قبل ما يكمل الكلمة، كنت ماسك إيده الممدودة، وطويتها لتحت بأسلوب عسكري سريع ومميت، وكسرت أربع صوابع من إيده لورا لحد ما صوت العضم وهو بيطق ومزيج المفاصل وهي بتسيب سمع الصالة كلها.
​طارق صرخ صرخة مرعبة تزلزل القصر، ونزل على ركبه على السجادة المحفورة، ماسك إيده المكسورة ودموعه نازلة زي الأطفال من الوجع.
​أبوه قام مجنون من على السفرة وزعق: “يا همجي يا بلطجي!”، وأمه بدأت تصرخ وتنادي على أمن الفيلا.
​ما استنيتش حراسهم. شلت ليلى بين إيديا، وعديت من وسط عيلة الفايد وهما مذهولين من الصدمة، وطلعت بيها على عربيتي النقل. طلعت أجرى على الطريق السريع لأقرب مستشفى، وهناك الدكاترة حطوها تحت الملاحظة، وسجلوا الارتجاج والكدمات اللي مالية دراعاتها ورقبتها في تقرير طبي رسمي.
​وليلى نايمة في الأوضة بترتاح، قعدت أنا في طارمة المستشفى الضلمة، وإيديا بترتعش من غضب مكتوم وقتال.
​على الساعة اتنين بالليل، تليفوني نور برسالة. كانت من “صالح الفايد” أبو طارق:
​”انت كتبتها بإيدك.. دي أكبر غلطة عملتها في حياتك. على ما الشمس تطلع، معاشك هيتقطع، بيتك هيتلاقح بالشرطة ويتحفظ عليه، وبنتك هتترمي في السجن بتهمة الشروع في قتل. انت اتحديت عيلة الفايد، وعيلة الفايد بتمسح أي نملة تفكر تقف قدامها.”
​بصيت للشاشة، وابتسامة باردة جداً اترسمت على وشي. هما فاكرين إنهم بتعاملوا مع راجل كبر في السن ومتقاعد غلبان.. ما يعرفوش أنا بنيت إيه في الضلمة، ومن ورا الستار، على مدار ثلاثين سنة.
رجعت التليفون في جيبي، ووقفت تحت الإضاءة البيضا والباردة بتاعة طارمة المستشفى.
​صالح الفايد كان فاكر إن فلوسه ونفوذه بيدوه حصانة كاملة. كان فاكر إن علاقاته بالمسؤولين والوزرا وكبار رجال الدولة مخليين عيلته فوق القانون وما حدش يقدر يمسهم. بس هو وقع في غلطة قاتلة واحدة: افترض إن خدمتي العسكرية انتهت بمجرد خروجي على المعاش بمرتب شهرية وهدوء وسكينة.
​اللي ما يعرفهوش إن لمدة خمسة عشر سنة بعد ما سبت الخدمة الميدانية، اشتغلت كمدير عمليات تنفيذي في “هيئة الرقابة والتحريات لمكافحة الفساد وتتبع أموال المسئولين”. كان شغلي كله عبارة عن التفتيش وراء الحيتان الكبار ورجال الأعمال، ومن بينهم “شركة الفايد للاستثمار والتوريدات العملاقة”—الشركة اللي بتصرف على قصر صالح الفايد وعلى الرفاهية والنعيم اللي عايش فيهم ابنه طارق.
​نزلت في بئر السلم بتاع المستشفى، وطلبت رقم مشفر على شبكة معينة ما استخدمتوش من ثلاث سنين.
​رد صوت صارم وواضح من ثاني رنة: “سيادة اللواء “عادل”؟ عاش من سمع صوتك.. بقالنا فترة طويلة.”
​رديت عليه وصوتي أبرد من الثلج: “يا سيادة العقيد “سامح”.. جه الوقت اللي نفتح فيه ملف “الطوفان”.”
​سمعت صوت سحبة نفس سريعة من الناحية الثانية: “أنت متأكد يا سيادة اللواء؟ لو حركنا الكارت ده، مجموعة شركات الفايد هتنهار وتتقفل قبل ما الشمس تطلع. ده غير التحفظ والكبسات اللي هتتم في أكتر من محافظة.”
​أمرته بصرامة: “نفذ فوراً.. واعمل قرار حماية وتأمين سيادي لبنتي “ليلى عادل”. هما هددوني إنهم هيتبلوا عليها بقضايا كيدية وبلاغات ممتلئة بالزور.”
​رد بثبات: “اعتبره حصل. رجال النيابة والقوة المكلفة بيتحركوا حالا.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *