بعد دقائق من مراسم تكريم ابنتي

بعد دقائق من مراسم تكريم ابنتي ذات الثمانية عشر عامًا قبل التبرع بأعضائها، اختفى زوجي بعدما تلقّى مكالمة هاتفية. وبعدها مباشرةً، جاء طبيب مريم يركض نحوي وقال: «زوجك توسّل إليّ ألا أخبرك بالحقيقة بشأن ابنتك».
كنت أظن أن فقدان مريم سيكون أسوأ ما يمكن أن يحدث لي في ذلك اليوم…
لكنني كنت مخطئة.
كانت مريم مريضة منذ ما يقرب من عام، وخلال تلك الفترة أصبح المستشفى كأنه بيتنا الثاني. كنت أنا وزوجي أحمد نقضي معظم أيامنا بجوار سريرها.
لم يكن أحمد والد مريم الحقيقي، لكنه ربّاها منذ أن كانت في السادسة من عمرها.
كانت تناديه «بابا».
وكان يستحقها فعلًا.
لطالما كنت أؤمن أنني أستطيع أن أثق به في كل ما يتعلق بابنتي.
حتى اليوم الذي ماتت فيه مريم، وجعلني أشك في كل شيء.
في إحدى الأمسيات، رفعت مريم عينيها عن وجبة المستشفى وقالت:
«ماما، لو أنا ما لحقتش… عايزة أتبرع بأعضائي.»
وضعت فنجان القهوة من يدي.
«ما تتكلميش كده يا مريم.»
قالت بهدوء:
«ماما، أنا بتكلم بجد.»
ثم تابعت:
«لو فيه فرصة إن حد تاني يرجع بيته بسببي، أنا عايزة ده يحصل. مش عايزة أسرة تانية تقعد في مستشفى وتحس بنفس الإحساس اللي إحنا حاسين بيه.»
لم أستطع الرد.
كل ما فعلته أنني أمسكت يدها وبكيت.
أما أحمد، فلم يبكِ.
اكتفى بأن أومأ برأسه ببطء، وقال لها إنه سيحترم قرارها مهما كان.
ظللت أيامًا أحاول تقبّل الفكرة.
كان كل شيء بداخلي يريد أن يصدق أن مريم ستتعافى، وأن تلك الأوراق لن تكون لها أي أهمية يومًا.
لكنها كانت مصممة.
وفي النهاية، وقّعت معها الأوراق، لأنني لم أستطع أن أحرم ابنتي من أمنيتها الأخيرة.
بعد ثلاثة أسابيع، رحلت مريم.
قبل أن ينقلوا مريم إلى غرفة العمليات لإتمام التبرع بأعضائها، أقام المستشفى ما يسمونه «ممر التكريم».
وقف الأطباء والممرضون على جانبي الممر.
بعضهم أدى التحية احترامًا لها، وآخرون اكتفوا بخفض رؤوسهم في صمت.
كنت أسير خلف سرير مريم بجوار أحمد.
لا أتذكر الكثير من تلك الدقائق.
كنت أشعر وكأن شيئًا بداخلي قد انطفأ، ورؤية كل هؤلاء الأشخاص وهم يكرمون ابنتي وقرارها كسرت ما تبقى مني.
احتضنني أحمد وأنا أبكي.
وقال بصوت خافت:
«مريم عملت حاجة عظيمة.»
وفجأة، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه تمامًا.
«أنا… لازم أنزل تحت شوية.»