اليوم ده بتاعي أنا

اليوم دا بتاعي أنا!”
​صرخت أختي وهي ماسكة س\كينة التورتة في حفلة سبوعها، وبترفعها في وشي وبتهدد بطني وأنا حامل. حاولت أهديها، لكنها صرخت بصوت يرعب: “إنتي سرقتي حياتي وعيالي!”
​سمرت في مكاني من الصدمة ومش قادرة أتحرك. الكلام دا حصل من 9 شهور.. والسبوع اللي فات بس، البوليس اكتشف أوضة أطفال كاملة متقفلة ومستخبية جوة مخزن، ومكتوب على حيطانها أسامي بناتي التوأم بالحرف!
​في بيتنا، كان فيه قانون ماشي على الكل: كل نقطة اهتمام وحب من حق أختي الكبيرة “ميليسا” وبس. وأنا؟
“إنتي الجدعة اللي بتستحملي يا كيندرا، أختك محتاجانا أكتر.”
​فضلت عشرين سنة فاكرة إن الجملة دي مدح في حقي، لحد ما فهمت إنها كانت السلسلة اللي ربطوني بيها عشان أخدمها طول عمري. لما قعدت أعيط على ترابيزة أمي بقلرة كسيرة بعد ما محاولات الحقن المجهري فشلت، أمي حلفت بأبويا الله يرحمه إن السر دا يموت بيننا. بعد شهر واحد بس، ميليسا أعلنت حملها قدام العيلة كلها بشو ودوشة. بلعت وجعي وعصرت على نفسي ليمونة عشان أبتسم وأبارك لها.
​وفجأة، حصلت المعجزة. بعد شهر من اختبار الحمل، كنت قاعدة متنحة قدام شاشة السونار. نبضين طالعين مع بعض في نفس الوقت.. توأم بنات.
​ولأني متعودة دايماً أداري على أختي وأحمي مشاعرها، كلمت أمي في التليفون في سرية تامة في ليلة من ليالي الشتا عشان أقولها.
“يا أمي،” قلتلها بوضوح، “الموضوع دا يفضل سر بيننا. محدش يعرف أي حاجة لحد ما حفلة أختي تخلص الشهر الجاي.. اليوم دا بتاعها هي.”
​الخط سكت فجأة.. سكة تخوف.
ثانية.. ثانتين.. تلاتة.
صمت بارد خنقني، وحسيت بنغزة خوف في بطني.
“أكيد يا حبيبتي،” ردت أمي أخيرًا بصوت ناشف وبارد يطير العقل. “أكيد.. الأيام دي كلها لميليسا.”
​قفلت السكة وأنا مرتاحة، وكنت غبية وفاكرة إني كدة حافزت على مشاعر الكل.
ماكنتش أعرّف إني بإيدي دي أديت لأختي اللي بتكرهني الشرارة اللي هتولع في حياتي كلها وتخليها تراب…
حفلة السبوع كانت تاني سبت في فبراير، في بيت أمي.
​الصالون كان مليان بحوالي تلاتين واحد من العيلة والجران، وسط بلالين دهبية وتورتة دورين من المخبز اللي في الشارع. ميليسا كانت قاعدة على كرسي مريح زي الملكة وهي في أواخر الشهر التامن، ملفوفة في بلوفر كريمي تقيل ماكانتش بتقلعه بقالها شهور. أما أنا، فكنت قاعدة في الزاوية وساكتة خالص، أداري حملي اللي كان يادوب في الشهر الرابع ورا بلوزة واسعة ومبهوقة.
​وفجأة، جيه وقت الكلمة العائلية..
​أمي رفعت كاس الشربات، وقالت كلمتين حلوين عن العيلة والجيل الجديد اللي جاي، وبعدها.. لفت عينها وبصتلي مباشرة!
​”وقريب أوي عيلتنا هتبارك مرتين..” أمي أعلنتها بصوت عالي سمّع الصالة كلها، “..عشان كيندرا كمان حامل في توأم!”
​البيت كأنه اتأثر بزلزال، وساد صمت يقطع النفس. تلاتين وش اتلفوا ناحيتي في نفس اللحظة!
​ميليسا قامت من كرسيها من غير ما تنطق ولا كلمة. مشيت بهدوء مرعب ناحية ترابيزة الحلويات، مسكت س\كينة التورتة الطويلة المشرشرة، ولفت لي. رفعت الس\كينة والموس متوجه لمستوى بطني بالظبط.
​”دا يومي أنا!” صرخت ميليسا وصوتها شق الهدوء اللي في الأوضة. “إنتي سرقتي حياتي! إنتي سرقتي عيالي!”
​السعادة اللي كانت في الصالون اتقلبت في ثواني لكابوس. الناس بدأت تصرخ وتبطأ حركتها من الذهول، وأمي وقفت في مكانها زي الفازة المكسورة، من غير ما تحرك ساكن ولا تحاول تتدخل. أنا جسمي اتخشب تماماً، حطيت إيدي بقلة حيلة على بطني أحمي التوأم، وعيني متعلقة بالس\كينة اللي بتلمع في إيد أختي.. عينها ماكانتش عين بني آدم طبيعي، كان فيها غل وشر مش مسبوقين، وكأنها بجد مصدقة إن العيال اللي في بطني دول ملكها هي!
ميليسا نزلّي الس\كينة!”.. صرخ جوزي وهو بيجري في الصالة عشان يقف بيني وبينها، في نفس اللحظة اللي هجم فيها اتنين من القرايب وكتفوها بالعافية. الس\كينة وقعت على الأرض ورنت رنة يرعب لها القلب. ميليسا كانت بتفرك وبتصرخ بصوت مش طبيعي، ودموعها نازلة كأنها مجنونة: “دول بتوعي أنا! أمي قالتلي إنهم بتوعي!”
​لفت عيني لأمي وأنا مذهولة، لقيتها واقفة بتترعش ووشها أصفر زي الليمونة، وبتبص للأرض ومابتنطقش. في اللحظة دي بس، فهمت الصمت المرعب اللي سكتته أمي في التليفون لما بلغتها بسر حملي.. أمي هي اللي راحت حكت لميليسا، ومش بس كده، دي غطت على خبال أختي وأوهمتها إن الحمل دا بتاعها هي!
​الناس بدأت تخرج تجري من البيت في حالة ذعر، والجيران طلبوا البوليس والإسعاف. أخدوا ميليسا على المستشفى وهي بتصرخ وبيكتفوها، وأنا أغمى عليا من هول الصدمة والضغط العصبي ونقلوني على الطوارئ عشان يطمنوا على التوأم.
​عدت الشهور وأنا مقاطعة أمي تماماً، ورافضة أرد على أيتها مكالمة منها. ولدت بناتي التوأم بخير وسلامة، وسيبنا المنطقة كلها وعزلنا لبيت جديد محدش يعرف عنوانه، عشان أبدأ حياة جديدة بعيد عن الكابوس دا.
​حد ما جيه الأسبوع اللي فات..
​التليفون رن، وكان رقم البوليس. الضابط طلبني بالاسم عشان أروح أقابلهم في قسم الشرطة فوراً. لما وصلت، الضابط قعدني وجاب ملف حطه قدامي، وقال بصوت جاد:
​”إحنا قبضنا على صاحب مخزن للجرار في أطراف المدينة، ولقينا مخزن مقفول بقفل تقيل باسم أختك ميليسا.. لما فتحناه، لقينا جواه أوضة أطفال كاملة متجهزة بأغلى العفش واللعب، والمكان متقفل ومتأمن كأنه ملجأ سري. والحيطان كلها مدهونة ومكتوب عليها بالبنت العريض أسامي بناتك التوأم بالحرف.. ومعاهم تاريخ اليوم اللي كنتِ هتولدي فيه!”
​جسمي قشعر ودمي اتجمد في عروقي وأنا بصل للصور.. أختي ماكانتش بس متغاظة مني، دي كانت بتخطط لخطف بناتي من لحظة ما عرفت بحملي!
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلّب في صور المخزن اللي الضابط حاططها قدامي. الأوضة جوة كانت متقفلة بعناية مرعبة.. السراير الصغيرة محطوط عليها الملايات ومكوية، الهدوم متعلقة بالمقاسات من عمر يوم لحد سنة، وحتى البزازات وأجهزة التعقيم متغلفة ومحطوطة بالترتيب. دا مش مجرد هوس، دا مخطط جر\يمة معقد ومحسوب بالثانية.
​الضابط بصلّي بجدية وقال: “يا مدام كيندرا، التحريات أثبتت إن أختك كانت بتأجر المكان دا بقالها 8 شهور.. وكانت بتدفعلها مصاريف شهرية من حساب تاني غير حسابها الشخصي.”
​سألته بصوت مكتوم: “حساب مين؟”
​رد الضابط وهو بيفتح ورقة تانية: “حساب والدتك.”
​الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. أمي؟ أمي اللي حلفت بأبويا المرحوم إنها تكتم سري؟ أمي مش بس كانت عارفة بمرض ميليسا وخبالها، دي كانت بتدعمها ماديًا عشان تجهز الأوكار اللي هيتخطف فيه بناتي!
​طلبت من جوزي يفضل مع البنات في البيت وما يخرجهمش لأي سبب، وأخدت الضابط ورجال الشرطة وطلعنا على بيت أمي.
​أول ما أمي فتحت الباب ولقيت البوليس واقف، وشها اتقلب أصفر وشفتها بدأت تترعش. دخلت الأوضة ومسكتها من دراعها وقلت بصوت حاد: “ليه يا أمي؟ ليه تعملي فيا كده؟ أنا عملتلك إيه عشان تبيعي بناتي لأختي؟”
​أمي انهارت على الكنبة وبدأت تعيط بهستيريا، وقالت كلام يوقف العقل:
“ميليسا كانت بتموت يا كيندرا! الدكتور قال إنها لو ما خلفتش هيجيلها انهيار عصبي كامل ومش هتقوم منه.. إنتي قوية وتقدرى تجيب غيرهم، لكن أختك مسكينة ومحتاجة الأطفال دول أكتر منك!”
​بصيت لها بمنتهى القرف والذهول. العقلية المريضة اللي كانت بتسوق بيتنا طول عمرنا وصلت بيها الجرأة إنها تتنازل عن بناتي عشان “ترضى” دلال أختي المريضة!
​في اللحظة دي، الضابط طلع الكلبشات وقال لأمي: “حضرتك متهمة بالمشاركة والتخطيط لجري\مة خطف أطفال، اتفضلي معانا.”
​أمي اتكلبشت وخرجت مسحوبة قدام الجيران اللي كانوا بيتفرجوا من البلكونات. لكن الكابوس ما انتهاش هنا..
​وأحنا في القسم بنقفل المحضر، جه خبر من المستشفى النفسية اللي ميليسا محجوزة فيها.. ميليسا قدرت تظبط خروجها وتأمن هروبها من المستشفى من ساعتين بس، ومحدش يعرف هي فين دلوقتي
أول ما سمعت خبر هروب ميليسا، الدنيا لفت بيا والدم اتجمد في عروقي. جريت على البيت زي المجنونة، وقفلت كل الأبواب والشبابيك بالترابيس. جوزي مسك مس\دس الحراسة وقعد جمب سرير البنات في الأوضة، والبوليس عين حراسة مشددة برة العمارة.
​الليل كأنه ما بيخلصش.. كل صوت هوا برة كان بيخليني أترعش من الرعب.
​الساعة جت 3 الفجر. التليفون الأراضي في الصالة رن بصوت يقطع الخلف.
​جوزي شاورلي أهدى، ورفع السماعة وفتح السبيكر..
صوت أنفاس هادية ومرعبة من الناحية التانية.. وبعدها صوت ميليسا، بس المرة دي ماكنتش بتصرخ، كانت بتتكلم بهدوء يخوف اكتر من الجنان:
​”يا كيندرا.. أنا عارفة إنك سامعاني. إنتي فاكرة إن الشمعتين دول بتوعك؟ أمي قالتلي إن ربنا بعتهم ليا عشان يرجعولي حقي. أنا قريبة أوي.. أطول مما تتخيلي.”
​قبل ما حد ينطق كلمة، الخط قطع.
​البوليس اتتبع المكالمة فوراً، واكتشفوا المفاجأة: المكالمة جاية من كابينة تليفون في الشارع اللي ورا عمارتنا بالظبط!
​القوات تحركت في ثواني، وسمعنا صوت سرينات البوليس بتهز الشارع كله، مع ضرب نار وصريخ في الشارع الخلفي. جريت على الشباك وشفت المنظر.. ميليسا كانت واقفة في الضلمة، ماسكة جيلكان بنزين وعايزة تقتحم العمارة من الباب الخلفي وهي بتصرخ باسم بناتي. البوليس هجم عليها وكتفوها بالعافية قبل ما تولع في المكان.
​اتقبض على ميليسا واتحكم عليها بالإيداع في مستشفى الأمراض النفسية والعقلية تحت حراسة مشددة مدى الحياة لخطورتها على المجتمع. وأمي اتحكم عليها بالسجن بتهمة التستر والتخطيط للجر\يمة.
​عدت السنين، وبناتي التوأم كبروا وبقوا ينوروا حياتي. العيلة القديمة اتفككت، بس أنا بنيت عيلة حقيقية مليانة حب وأمان، وعرفت أخيرًا إن “القوة” اللي أمي كانت بتقولي عليها، هي اللي أنقذت بناتي ورجعتلي حياتي من وسط رماد الغدر.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *