حقّ ستي
كتبتلي البيت عشان عارفة إنكم هتقتلوني عليه”.. دي كانت أخر كلمة قلتها لأبويا قبل ما الشومة تنزل على صدري وتكسر ضلوعي.
أختي شيماء كانت واقفة عند الباب ببرود، ماسكة الورق والقلم بفرغ الصبر، وبتقول: “وقعي يا حنان وسهليها علينا.. ده حق العيلة واللمة!” بس لما الإسعاف شالتني مغمى عليا والدم مالك الوش، الشرطة كان ليها رأي تاني خالص: “جري\مة اعتداء مع سبق الإصرار والترصد”.
أنا فاكرة كويس طعم الدم في بقي، وشكل السجادة اللي كان وشي ملزوق فيها، وثقل جزمة أبويا جنب دماغي. أمي كانت واقفة وراه بتبكي وبتهدس بصوت واطي: “عشان خاطري يا إبراهيم، كفاية”، بس عمرها ما مدتش إيدها تمنعه.. عمرها ما وقفت في وشه ولا حميتني من أذاه.
أما شيماء—أختي من أمه وأبويا—فكانت جاية مسافرة ثلاث ساعات بالكامل مش عشان تطمن عليا أنا عايشة ولا ميتة، كل اللي فارق معاها إني أوقع على التنازل واقتسام الورث.
قالت بنبرة ناشفة: “ستي الله يرحمها كانت خرفانة، والبيت ده لازم يفضل في العيلة وما يخرجش برة.”
رديت عليها بصوت مكسور بس ثابت: “ستي سابت وصية شرعية، ومحدش يفتري على الميت.”
أبويا مسك الشومة بغل وجابها لورا عشان يكمل عليا ويخلص مني.
وفجأة.. الباب اتخلع من كتر الخبط، وعساكر الشرطة اقتحمت المكان.
الظابط رفع س\لاحه، ووراه اتنين من الشرطة العسكرية: “نزل اللي في إيدك فوراً!”
الشومة وقعت على الأرض برنة مرعبة.
الظابط بصلي، وفجأة ملامحه اتغيرت أول ما عرفني. وقف انتباه وظبط جسمه كأني قائد عسكري مش واحدة بتنزف ومطبشة على الأرض.
قال بثبات: “يا فندم.. يا سيادة العقيد حنان! ما تتحركيش حضرتك، الإسعاف في الطريق.”
شيماء أختي بقها اتفتح من الصدمة، وأبويا بقى يبص للشهادات والتكريمات العسكرية المعلقة فوق الدفاية في بيت ستي، ويرجع يبصلي مش مصدق. مرت تسع سنين كاملة من يوم ما غضب عليا وطردني لما اخترت طريق الخدمة في القوات المسلحة وبنيت نفسي بنفسي بدل ما أشتغل معاه في المقاولات. في نظره، كنت لسه البنت العاصية اللي مشيت وما حيلتهاش حاجة.
عمره ما كلف نفسه يعرف أنا وصلت لإيه ولا بقيت مين.
الظابط حط الكلبشات في إيده. الجيران اتجمعوا برة البيت تحت أضواء عربيات الشرطة. أمي حطت إيدها على بقها بتعيط، وشيماء طلعت تليفونها بسرعة، بس الظابط منعها.
شيماء قالت بتبجح: “دي مشكلة عائلية وبنحلها مع بعض!”
الظابط بص للشومة المرمية على السجادة وقالها: “لا يا أستاذة.. دي مسرح جر\يمة اعتداء.”
في المستشفى، الأشعة أظهرت إن عندي كسرين في الضلوع. الدكتور قال إن ربنا ستر والكسر ما اخترقش الرئة. ستر ربنا كان كبير.
الظابط جالي الساعة تسعة الصبح ومعاه الأخبار. كاميرا المراقبة بتاعة الجيران سجلت لحظة دخول أبويا البيت وهو شايل الشومة، وسجلت كمان صوت شيماء وهي بتقول له: “ما تخرجش من هنا إلا لما تتنازل وتوقع.”
بعدها بتلت ساعة، ظهرت شيماء في المستشفى، وشها أصفر وغاضبة، وبتطالب تبلي عشان نتكلم قبل ما الشرطة “تفضحنا وتعمل موضوع كبير”. ما رضيتش أدخلها.
من ورا زجاج الأوضة، رفعت ورقة مكتوب عليها اسمي وقالت: “أبوكي اتصرف بغشم وغلط، وقعي على عقد البيع والتنازل الليلة، ونقول للناس إنك وقعتي من على السلم.”
ضغطت على زرار الاستدعاء، والأمن خرجها برة وهي بتصرخ وتزعق إن البيت ده حقنا كلنا ومحدش هياخده.
وفجأة.. تليفوني رن.
كانت الأستاذة ماجدة، محامية ستي الله يرحمها.
قالتلي: “أنا عرفت اللي حصل مع أبوكي.. أوعي تحطي إيدك على ورقة ولا توقعي على أي حاجة. جدتك الله يرحمها كانت حسابه حساب اليوم ده وشايفة كل حاجة.”
قلبي اتنفض.
الأستاذة ماجدة وصلت قبل نص الليل وشايلة في إيدها حافظة جلد قديمة مقفولة بالشمع وأختام ستي. أمي جت معاها، وعينيها متورمة من البكاء، ومسكة في إيدها مفتاح نحاس صغير كانت مخبياه ست سنين كاملة.
محامي أبويا اتصل مرتين، وشيماء بعتت ١١ رسالة، آخر رسالة منهم كانت: تكتبي التنازل أحسنلك.. أنتِ ما تعرفيش البيت ده فيه إيه ومستخبى جوه إيه!
الأستاذة ماجدة قفلت باب الأوضة، وفتحت الحافظة على السرير قدامي، وطلعت منها عقد ملكية مسجل، ورواية أو جواب مقفول، وفلاشة.
قالتلي بجدية: “جدتك ما سابتلكيش البيت في الوصية ولا حاجة..”
نفسي اتط Arguments ووقفت مش فاهمة.
بعدها لفت العقد ناحيتي وشاورت على التاريخ المتسجل في الشهر العقاري—تاريخ يرجع لتلات سنين قبل وفاة ستي!
شيماء كانت واقفة برة الأوضة مع محامي أبويا، ولمحت المستند من ورا الزجاج.
الدم هرب من وشها وبقت زي الج\ثة.
الأستاذة ماجدة دخلت المفتاح النحاس في القفل الخفي اللي جوه الحافظة وقالت: “دلوقتي بقى هنوريهم ستي سجلت إيه وصورت إيه بصوتها وصورتها قبل ما تملكك كل حاجة بعقد بيع نهائي.”
النسر والدبورة اللي على الكارنيه لمعوا في النور كأنهم تحدي صريح.
فضلت مبلمة في الكارنيه، وبعدها بصيت لوشه. نفس البدلة الرمادي، ونفس الابتسامة الهادية اللي كان واقف بيها طول الليل ورا الزجاج. بس الابتشارة دي دلوقتي بقى ليها معنى تاني خالص ومرعب.
محامي أبويا… ما طلعش محامي!
الرجل ده طلع هو نفسه “سعيد فرغلي”، الشخص اللي ستي الله يرحمها كتبت اسمه في أخر صفحة في الأجندة الحمرا ومحذرة منه.
صوت الأستاذة ماجدة المحامية تحول لكتلة من الثلج وهي بتقول: “أنت؟!”
دخل سعيد الأوضة بثقة وكأنه صاحب المكان. صوت أجهزة المستشفى كان له زنين منتظم في السقف، ومن بعيد صوت ترولي بيمشي في الطرقة.. الصوت كان عالي ومرعب في وسط السكوت المريب ده.
قبل ما ألحق أنطق كلمة، الظابط قرب خطوة منه ووقف في وشه.
”المقدم سعيد.. حتة واحدة؟ إيه اللي جابك هنا برة قطاعك واختصاصك؟”
يعني الظابط عارفه!
ابتسامة سعيد اختفت تدريجياً وصوت بقى حاد: “أنا جاي أتحفظ على أدلة تخص ق\ضية شغالة ومفتوحة.”
سأله الظابط بثبات: “ق\ضية إيه دي؟”
رد بثقة: “الق\ضية اللي أنا ماسك التحقيق فيها بنفسي.”
حسيت بنار مسكت في ضلوعي المكسورة وأنا بحاول أعدل قعدتي على المخدة. اللابتوب كان مفتوح قدامي على السرير، ووش ستي الله يرحمها متثبت على الشاشة، وجنبه الفلاشة الفضية مرمية زي القنبلة الموقوتة.
قلتله بصوت حاسم: “الحاجة دي ملكي أنا.”
سعيد بصلي بنظرة كلها استعلاء، زي راجل قرر من زمان إن وجودي ملوش أي قيمة.
وقال: “ما بقتش ملكك خلاص يا سيادة العقيد.”
الأستاذة ماجدة حطت إيدها فوراً على الحافظة الجلد وقالت بنبرة قانونية صارمة: “الأوراق دي محمية بروح القانون وحصانة السرية بين المحامي وموكله.. مالكش أي سلطة ولا حق تحرزها.”
سعيد طلع تليفونه من جيبه ورفع الشاشة في وشنا، عليها صورة لإذن نيابة ومحضر ضبط وإحضار رسمي ومختوم.
وقال ببرود: “دلوقتي بقى ليا سلطة.”
الظابط نفسه سكت وما نطقش.
أنا ما كنتش محتاجة أقرأ الإمضاء اللي على إذن النيابة عشان أفهم إن في حاجة غلط ولعبة كبيرة بتتلعب. إذن زي ده طالع بالسُرعة دي وفي وقت زي ده؟ معناها إن الشبكة كبيرة، والسر اللي جوه البيت أكبر بكثير من مجرد حتة أرض أو بيت عيلة!
قبل ما سعيد يمد إيده وياخد اللابتوب والفلاشة، الظابط مسك إيده بثبات وقال له: “إذن النيابة ده مظبوط يا فندم، بس الصلاحية للتحفظ على الأدلة هنا للنيابة العسكرية أو النيابة العامة اللي في نطاق المستشفى، وأنا المأمور المكلف بالمحضر لحد ما يتسلم.. الأوراق والفلاشة هيدخلوا أحراز الأحوال فوراً، ومحدش هيمسهم إلا قدام وكيل النائب العام.”
سعيد ضيق عينيه، وعرف إن الظابط فاهم قانون كويس وما يقدرش يلعب معاه. قرب مني وقال بصوت واطي ومسموع لينا بس: “فاكرة إنك شاطرة يا حنان؟ فاكرة إن حتة الفلاشة دي هتحميكي؟”
رديت عليه ببرود وأنا باصة في عينيه: “ستي لما كتبت الأجندة، ما كتبتش اسمك بس.. كتبت المبالغ اللي دخلت حسابك، ورقم الخزنة اللي في بيت العيلة.”
وش سعيد اتغير، والتفت ومشي بسرعة من غير ما ينطق حرف.
بعد ما خرج، الأستاذة ماجدة قفلت اللابتوب وشالت الفلاشة في جيبها الداخلي وقالتلي: “لازم تفهمي اللي بيحصل قبل ما النيابة توصل.. ستي الله يرحمها ما كانتش بتبيعلك البيت عشان تحميه من أبوكي وشيماء بس. ستي كانت مكتشفة إن شركة المقاولات بتاعة أبوكي بتستخدم البيت ده كستار لغسيل أموال لشبكة كبيرة.. وسعيد فرغلي هو اللي كان بيغطيلهم كل حاجة مقابل نسبة!”
قلبي اتنفض: “يعني أبويا وشيماء عارفين؟”
ماجدة هزت رأسها: “أبوكي عارف ومغروز للرقبة.. بس أختك شيماء؟ شيماء ما كانتش فاهمة حاجة! هي فاكرة إن البيت فيه كنز أو فلوس مخبية، ومخدوعة من أبوكي والمحامي سعيد اللي أوهموها إنها لو خلتك توشكي على التنازل، هيطلعولها حتة من التورتة!”
وفي اللحظة دي، خبط الباب ودخلت شيماء. وشها كان مبقع من العياط، وإيديها بتترعش.
دخلت وقرصت على إيدي وهي بتقول بصوت مكسور: “حنان.. الحقي. أنا لقيت أوراق في عربية أبويا وأنا قاعدة مستنية.. سعيد ده مش محامي، وسعيد وأبويا بايعين البيت بعقد عرفي لواحد غريب من ست أشهر! أبويا كان بيستغلني عشان أمشيكي بالذوق وأخليكي توقعي، وكان هيرميني أنا وأمي في الشارع بعد ما ينفذوا اللي في دماغهم!”
الصدمة كانت إن شيماء—اللي كانت جاية بتعارك عشان التنازل—اكتشفت إنها كانت مجرد أداة وبيدق في اللعبة من غير ما تدري، وأن أبوها كان مستعد يضحي بيها وبأمها قبل حنان!
سألتها وأنا باصة في عينيها: “والبيت يا شيماء؟ مستخبى فيه إيه برضه؟”
شيماء طلعت من شنطتها كارت صغير قديم ومفتاح: “أبويا كان خايف يدخل الأوضة المقفولة تحت السلم.. أنا دخلت بسرعة ولقيت الخزنة. المفتاح ده بيفتح الخزنة اللي ستي سابتها.. ستي ما سابتلكيش البيت بس يا حنان.. ستي سابت أوراق الملكية الأصلية بتاعة شركة المقاولات نفسها باسمك أنتِ! يعني الشركة اللي أبويا بنى بيها نفوذه، ستي كانت شريكة فيها بالغياب بفلوس ورثها، وكتبت حصتها ليكي بالكامل من تلات سنين!”
الأستاذة ماجدة ابتسمت وقالت: “وده السبب إن عقد بيع البيت اتكتب من تلات سنين.. ستي نقلتلك ملكية البيت وحصتها في الشركة في نفس اليوم، عشان يوم ما أبوكي يفكر يؤذيكي، تكتشفي إنك أنتِ المالك الحقيقي لكل حاجة هو افتكر إنه بناها بظلمه.”
وفجأة، تليفون الظابط رن.. رد ورجع بصلي وقال: “سيادة العقيد.. النيابة العامة وصلت تحت، ومعاهم أمر بقبض على سعيد فرغلي وأبوكي بعد ما الكاميرات والأوراق أثبتت التزوير وشبهة غسيل الأموال.”
نزل الخبر على أبويا زي الصاعقة وهو قاعد في المجمع القضائي.. سعيد فرغلي اتقبض عليه بتهمة التزوير واستغلال النفوذ، وأبويا بقى متهم رسمي في قض\ية غسيل أموال واعتداء بحالة تلبس.
بعد يومين، خرجت من المستشفى وضلوعي متجبسة، وبمساعدة الأستاذة ماجدة والظابط اللي استلم الق\ضية، النيابة تحفظت على مقر شركة المقاولات وبيت ستي.
وقفنا كلنا في الصالون القديم بتاع ستي الله يرحمها.. أنا، وأمي، وشيماء.
شيماء كانت قاعدة في أرض الصالون، رامية رأسها بين إيديها وبتعيط بحرقة وصوت مكتوم. ما كانتش بتبكي على الفلوس ولا البيت، كانت بتبكي على الخذلان.. إن الراجل اللي كانت شايفاه أمانها وسندها، كان مستعد يرميها هي وأمها في الشارع ويستخدمها أداة عشان يؤذي أختها.
قربت منها بالراحة، وقعدت جنبها رغم الوجع اللي في صدري.
شيماء رفعت عينها وهي بتترعش: “سامحيني يا حنان.. أنا كنت غبية، طمعت وصدقت كلامه لما قال إنك بعتينا ونسيتينا، وما كنتش فاهمة إنه بيستغلني.”
بصيت لأمي اللي كانت واقفة بعيد، ساكتة ودموعها نازلة من غير صوت.. نفس أمي اللي ما قدرتش تحميني زمان، بس المرة دي كانت هي اللي جابت المفتاح النحاس وفتحت الحقيقة.
قلت لشيماء بصوت هادي وبس صلب: “اللي حصل مش قليل يا شيماء.. بس أنتِ جيتي في أخر لحظة وفوقتي، ومحامتيش الظلم. الدين والأصول بيعلمونا إن صلة الرحم ما تتقطعش، بس كمان الحساب ولد.”
الأستاذة ماجدة فتحت الملفات الرسمية على الترابيزة وقالت: “دلوقتي، بحكم الأوراق، العقيد حنان هي المالك الوحيد لبيت ستي، وصاحبة النسبة الأكبر في شركة المقاولات اللي أبوكي كان يديرها. يعني القانون بيدي حنان الحق إنها تطرد أي حد وتتحفظ على كل الأصول.”
أمي غمضت عينها وكأنها مستنية حكم الإعدام.
بس أنا طويت أوراق التنازل وقالت: “أنا خدمتي في القوات المسلحة علمتني إن الشرف والأمانة ما بيتباعوش بفلوس.. البيت ده هيفضل مفتوح، باسم ستي الله يرحمها، وأمي وشيماء هيعيشوا فيه بمعزز ومكرم، والشركة هيتم تطهيرها من كل الفساد، وهتدار بالقانون وبشكل شرعي ١٠٠٪.”
شيماء بصتلي ومش مصدقة: “بعد كل اللي عملته؟”
رديت عليها: “أنا ما أقبلش إن أختي وأمي يتهانوا ولا يتردوا في الشارع.. أبويا اختار طريقه والعدالة ونيابة الأموال العامة هتاخد مجراها معاه ومع سعيد، وده جزاء الظلم. بس إحنا مش هنبقى زيّه.”
مرت ست شهور..
أبويا وسعيد فرغلي أخدوا أحكام رادعة بالسجن بعد ما أوراق الفلاشة والأجندة أثبتت عليهم كل التهم بالدليل القاطع.
بيت ستي اتجدد، ورجع أمان زي ما كان طول عمره. شيماء كملت تعليمها واشتغلت في إداريات الشركة تحت إشراف محامين ثقة، وأمي أخيراً لقت الراحة والأمان اللي انحرمت منهم سنين.
أما أنا.. فكنت واقفة في جنينة البيت بالبدلة العسكرية، بصلت للشباك اللي كانت ستي بتقعد فيه، وحسيت إن روحها مرتاحة.. لأنها ما سابتليش بيت وبس، سابتلي الحق اللي جمع العيلة وحماها من الضياع.
تمت